صديق الحسيني القنوجي البخاري

456

فتح البيان في مقاصد القرآن

الملك ، وإنما يقال لها ذلك عند الموت أو البعث أو عند دخول الجنة ، والنفس المطمئنة هي الساكنة الموقنة بالإيمان وتوحيد اللّه الواصلة إلى ثلج اليقين بحيث لا يخالطها شك ولا يعتريها ريب . قال الحسن هي المؤمنة الموقنة ، وقال مجاهد الراضية بقضاء اللّه التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها ، وقال مقاتل هي الآمنة المطمئنة . وقال ابن كيسان المطمئنة بذكر اللّه تعالى وقيل المخلصة ، قاله ابن زيد المطمئنة لأنها بشرت بالجنة عند الموت وعند البعث ، وقال ابن عباس المطمئنة المؤمنة . ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً بالثواب الذي أعطاك مَرْضِيَّةً عنده . والمعنى ارجعي إلى اللّه وقيل إلى موعده وقيل إلى أمره ، وقال عكرمة وعطاء إلى جسدك الذي كنت فيه ، واختاره ابن جرير ، ويدل على هذه القراءة ابن عباس فَادْخُلِي فِي عِبادِي بالإفراد والأول أولى . قال القفال : هذا وإن كان أمرا في الظاهر فهو خبر في المعنى ، والتقدير أن النفس إذا كانت مطمئنة رجعت في القيامة إلى اللّه بسبب هذا الأمر . قال ابن عباس : « نزلت هذه الآية وأبو بكر جالس ، فقال : يا رسول اللّه أحسن هذا فقال أما أنه سيقال لك هذا » أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة ، وعن سعيد بن جبير نحوه مرسلا ، وعن أبي بكر الصديق نحوه . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ قال هو النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعنه قال : المطمئنة المصدقة ، وعنه قال ترد الأرواح يوم القيامة في الأجساد ، وعنه قال : راضية بما أعطيت من الثواب ، مرضية عنها بعملها . فَادْخُلِي فِي عِبادِي المؤمنين أي في زمرة عبادي الصالحين وكوني من جملتهم ، وانتظمي في سلكهم : وهذا يشعر بأن النفس بمعنى الذات ، ويجوز أن تكون بمعنى الروح كما أشار له البيضاوي وَادْخُلِي جَنَّتِي معهم قيل إنه يقال لها ارجعي إلى ربك عند خروجها من الدنيا ويقال لها ادخلي في عبادي وادخلي جنتي يوم القيامة . وأتى بالفاء فيما لم يتراخ عن الموت وبالواو فيما يتراخى عنه . والمراد بالآية كل نفس مطمئنة على العموم لأن السورة مكية ولا ينافي ذلك نزولها في نفس معينة فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . عن سعيد بن جبير قال : « مات ابن عباس في الطائف فجاء طير لم ير على خلقته فدخل نعشه ثم لم ير خارجا منه ، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر لا ندري من تلاها يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً الآية » أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني ، وعن عكرمة مثله ، أخرجه أبو نعيم في الدلائل .